الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

394

مناهل العرفان في علوم القرآن

فضلا عن أن يتركوها ما عدا واحدا ، ولو أنهم فعلوا ذلك لنقل متواترا ، لأن هذا الأمر الجلل ، مما تتوافر الدواعي على نقله وتواتره . وقصارى ما وصلنا من بعض الطرق أنهم اختلفوا في كلمة « التابوت » في قوله تعالى من سورة البقرة : « وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ » الخ أيكتبونها بالتاء المفتوحة ؛ أم بالهاء ، فأمرهم عثمان أن يكتبوها بالتاء المفتوحة ، لأنها كذلك في لغة قريش . وهذا يوضح لنا أن عثمان في كلمته تلك ، إنما يريد الاختلاف في الكتابة والرسم لا في الألفاظ واللغات والحروف . أو يريد أن لغة قريش متوافر فيها التواتر أكثر من غيرها فليأخذوا بها عند الاختلاف لهذا الغرض وحده ، وهو التواتر الذي شرطوه في دستور كتابتهم وجمعهم . أضف إلى ذلك أن المصاحف نقلت من الصحف التي جمع أبو بكر رضى اللّه عنه القرآن فيها ، والتي ظفرت بالتواتر وإجماع الأمة كما قدمنا . فهل يرضى عثمان ويوافقه الصحابة جميعا على أن يخرقوا هذا الإجماع ، ويعبثوا بذلك التواتر ، في أمر جعل اللّه تعدّد الوجوه والحروف فيه رحمة بالأمة إلى هذا اليوم ؟ ذلك فهم بعيد . الصحف والمصاحف قلنا : إن أبا بكر رضى اللّه عنه جمع القرآن في صحف ، وإن عثمان جمعه ونسخه في مصاحف . والفرق بين الصحف والمصاحف في الأصل أن الصحف جمع صحيفة ، وهي القطعة من الورق أو الجلد يكتب فيها . أما المصحف فهو بزنة اسم المفعول من أصحفه أي جمع فيه الصحف . فكأن المصحف ملحوظ في معناه اللغوي دفتاه ، وهما جانباه أو جلداه اللذان يتخذان جامعا لأوراقه ، ضابطا لصحفه ، حافظا لها .